العنان / رعشة هدب

صفحة الشاعر

عـمـاد خـلـيـل

emad_khalil_r@hotmail.com

إلــى امرأةٍ أعرفـها


تنوحين مثلَ انفتاح الجّروحِ‏
على شفةٍ غضّة نازفةْ‏
رَمَتْك السّنونَ بسهم خطاها،‏
وكنتِ الدريئة،‏
كنتِ الرّداء للحْن اليتامى،‏
تلوكين أرغفةً ناشفةْ.‏‏
رأيْتُ على وجهِك المستدير،‏
حكاية حزن،‏
يلمّ الشّظايا‏
وبسمة عشْقٍ‏
قديمٍ، قديمْ.‏
وفي داخل القلب،‏
كان النّواحُ،‏
وكان الخريف يلملم أوراقَهْ الرّاجفةْ‏
ردّدْتُ إليْك لغات السّنينِ،‏
رمالَ الصَّحارى،‏
دماءَ القتيلِ،‏
وما عاد هابيل إلا ابتسامة عشْقٍ تشظّى‏
ونزْفِ دماءٍ‏
بلونِ المساءْ.‏
غرامك أدركَ أنّ الفضاءَ،‏
كبيرٌ، كبيرْ.‏
وأنّ الوصول إلى ضفّة النّهرِ،‏
ليس انتصاراً،‏
وما يستطيع الوصول إليه،‏
سوى قدرٍ في عروق القتيلْ.‏
تسوقينَ كلّ الجراح إليهِ،‏
إلى البحرْ.‏
قطعان إثمٍ تمنّى،‏
وليْتَ التمنّي يعيد الحياة،‏
إلى ما نراهُ،‏
بعيداً، بعيدْ.‏
أراكِ على لوْحةِ العُمْر،‏
لَوْناً جديداً،‏
وأيقونةً،‏
في جدار ترمّلَ،‏
عند ابتداء الهوى والشّبابْ.‏
فلا تعذليهِ،‏
ولا تتركي اللَّحْنَ يمشي الهوينا،‏
فما أسعدَ البعدُ درباً‏
وما أنتشَ القلْب،‏
بعد اليبابْ.‏
أخاف عليكِ منَ القهرْ،‏
يا امرأةً لا تلينْ.‏
ألمّ خطاكِ،‏
وأقذفها‏
في بحار السّنينْ‏
وأخشى الرّجوع إلى شاطئ البحرْ،‏
حين الرّياحُ،‏
تهبّ تثورْ‏
وأخشى عليكِ ارتفاع المياهِ‏
فإنَّ الرّمالَ،‏
تجوب البحارَ‏
وما غرقَ البحْرُ‏
بالعارفينْ.‏
أيا امرأة أدخلتني إلى مقلتيها‏
أفتّش عنْ بسمةٍ،‏
في سراب الجنونْ.‏
وعن ضحكةٍ‏
في خفايا الضّمير،‏‏
وصرخةِ ردّ على العاصفةْ.‏

 يا حبيبــــهْ

للصفا عَرْفٌ‏
خُلقنا لارتشافهْ‏
فلنذقْ هذا الرحيقْ..‏
بفؤادٍ لا يُفيقْ‏
من خُماره‏
يا حبيبَهْ‏
*‏
فإذا ما العُمر ولّى‏
غيرَ قطرهْ‏
لم يؤرّقنا ضياعُهْ‏
في تحسي‏
جَرعاتٍ من مرارِه‏
لم تؤرقنا حياه‏
قد حبسنا في رؤاها‏
وسحقنا برحاها‏
توأمينِ‏
لم يذوقا من شذاها‏
أيَّ قطرَه‏
يا حبيبَهْ‏
قد خُلقنا‏
من لهاةٍ واحده‏
وقبسنا‏
من رؤاها قبسا‏
فلماذا‏
لا نُغني لجمالٍ أبدعتهُ‏
ولماذا‏
لا نغضُّ الطرف عن عمر تولّى‏
بكؤوسٍ من سُلافَهْ..‏
نحتسيها‏
بين أدواحٍ خضيرَهْ‏
ونسيماتٍ بليلهْ‏
وأغانٍ مشرقيّهْ‏
نستقيها‏
من تقاسيم الشعورِ‏
والرَّبابَهْ؟!‏
يا حبيبه‏
*‏
أنتِ خمرهْ‏
عُتِّقت في الدن دهرا‏
نفحتني‏
من لذاذات شذاها‏
نفحاتٍ‏
من رياحينَ ووردٍ وأقاحْ..‏
ولّدتْ في القلب روضا‏
فانظري‏
همس عطوري‏
فوق دنِّكْ‏
كيف ينداحُ بحيرَهْ‏
من سحابَهْ‏
يا حبيبه‏
*‏
أنتِ كرمَهْ‏
عرَّشتْ فوق جفوني‏
نشَّرتْ‏
أوراقها الخضرَ الشفيفَهْ‏
وعناقيدَ حبالى بالتمورِ‏
وظلالا‏
يتصباها‏
نسيمٌ يتبخترْ‏
يملأ الجو بتحنان الزهورِ‏
فأراني تحت قبَّهْ‏
أتلوى‏
فوق مهدٍ من حريرِ‏
والعناقيدُ تدلّى‏
في فمي‏
شهداً مصفى‏
يتقطَّرْ‏
حبّةً في إثر حبَّهْ‏
يا حبيبه‏
*‏
أنتِ أفيوني المطهَّرْ‏
فإذا ما غبتِ يوما‏
عن عيوني‏
لا البصيرَهْ‏
هزّني الشوقُ إليكِ‏
واعترتني‏
نزوات من جنوني‏
أرهقتني‏
فتصعلكتُ شريدا‏
وكأني.‏
غجريٌّ‏
تاه عن أم سباها‏
ألعبانٌ‏
منذ أيام الطفولَهْ‏
يا حبيبَهْ‏
*‏
أنتِ نبتَهْ‏
أنبتتها في دروبي المظلمَهْ‏
يد فنّانٍ بديعِ..‏
فإذا لحنُ الخلودِ‏
يتهامى‏
في عروقي‏
وإذا بالروح تحبو‏
في العظام الميِّتهْ‏
وإذا همس الشبابِ‏
يتنامى‏
في إهابي‏
من جديدِ‏
مثل شتلَهْ‏
يا حبيبه‏
*‏
فإذا ما أُطفئ القنديلُ يوماً‏
واستقرّ الباب موصَدْ‏
حيث أُوجَدْ‏
فتعرَّيْ‏
وانزعي عنك الغِلالَهْ‏
لتُواري..‏
عريَ جسمٍ قد تعصفَرْ‏
وامسحي جَفني بقطره‏
من رضابٍ قد تعطَّرْ‏
وانثري الشَّعرْ المهدَّلْ‏
فوق وجهي‏
مثلَ هالَهْ‏
والثمي ثغري المجعَّدْ..‏
أتيقّظ..‏
أتوهج..‏
أتقطر..‏
وأنادي:‏
يا حبيبه

 أنحني ليمُرَّ حزنُكِ

للريحِ ما طحنَ الزمانُ‏
من السنابلِ،‏
لمْ يعُدْ‏
في الحقلِ غيرُ الملحِ،‏
قدْ سقطتْ قلاعُ الشمسِ‏
في بئرِ السوادِ،‏
ونحنُ صرنا خارجَ الأزهارِ.‏
أينَ تسافرُ الآنَ الجبالُ؟‏
وأينَ تُجهِضُ قلبَها؟‏
آهٍ على قبري‏
وعينيكِ المسافرتين حولَ مدارِهِ.‏
عيناكِ يمطرُ كونُها‏
في حقلِ روحي نجمةً،‏
فتمدّني أفقاً خصيباً‏
آهِ يا أمّي‏
قد احترقتْ مدائنُكِ الجميلةُ فيَّ،‏
أركضُ في الدخانِ‏
وراءَ صوتكِ،‏
فهو يكفي كي أغنّيَ،‏
ثمَّ أبكيَ،‏
أينَ صوتُكِ؟‏
أينَ...؟‏
تخذلني الكؤوسُ،‏
أودّعُ الآنَ الملاعبَ،‏
أنحني ليمرَّ حزنُكِ،‏
أبصرُ الأنهارَ تسجدُ في الجروحِ،‏
أذوبُ في الوردِ المخبّأِ في يديكِ،‏
سأنحني كُرمى لدمعِكِ‏
مغرقاً روحي‏
بأوجاعِ السنابلِ‏
أنحني.‏
ولأنَّني‏
أخشى على الأقمارِ‏
من ثقلِ التهجُّدِ‏
أنثني،‏
وأطوّفُ القمرَ المشاكسَ،‏
حولَ غيمِ الروحِ،‏
أصرخُ بالتفرُّدِ‏
يا نديمي دلّني.‏
ولأنّني‏
أخشى عليكِ‏
من المكاتيبِ الحزينةِ،‏
أجَّلتْ قيثارتي‏
موتي؛‏
مسافةَ قريةٍ‏
وقصيدةٍ أُخرى.‏
تطلُّ على يديكِ،‏
تطرّزانِ‏
على مناديلِ المدَى‏
عمري؛‏
فأركضُ في الزمانِ‏
وراءَ صمتكِ،‏
فهو يكفي‏
كي أغنّيَ،‏
ثمَّ أدخلَ في المناديلِ الغزيرةِ غيمةً،‏
ورمادَ آهٍ‏
في الممرِّ المُدْمِنِ،‏
يا قلبَ أمي‏
دلّني.‏

 إني أخترتكِ

وَطنٌ للماسِ‏
وَرَيْحانٌ أشقر...‏
نجمٌ يُخفي دمَهُ الأخضر...‏
شجرٌ للمرجانِ،‏
وشيطانٌ للغيم...‏
هل أُفِلتُ،‏
أبناءَ النّارِ‏
على قَلْعتِها‏
أم أَفْردُ،‏
ما يتغايَرُ من لغتي‏
لخليجِ النّور...؟‏
قَلَقي.....‏
بجحيمي الموحش يترقرقُ،‏
بين حدائقها‏
قَلَقي...‏
ببياضِ بلاغتهِ‏
يَسْتلُّ شواردَها ..‏
سأُسَمِّي ...‏
هاوية الماء طريقاً‏
سأُسَمِّي ماءَكِ،‏
قطبَ الرّاحِ،‏
سأُسَمِّي الهذيانَ ...رياحي‏
من يضغطْ‏
خطَّ البرق الأوّلِ‏
نحو الأرضِ‏
تشعّ الظّلمةُ في عينيهِ‏
ومن يدفعْ‏
بالسِّحرِ الأعلى‏
نحو الخلفِ‏
يَشِفّ المطْلقُ فيه‏
وتنكشف الحاقّةُ،‏
ها أنذا...‏
أتجوّل في هجرات السرّ،‏
وفي استغراق الثّمر الأقصى‏
أَتجوّل في واعية الحلمِ‏
وبا لأشراق المذعور أعودُ...‏
سماؤك بين يديّ،‏
أعودُ أنا الغيّاثُ‏
حدودُك .. جاحِمةٌ‏
وإهابُكِ - في صَعْقِ المعنى -‏
قابَ جماعٍ‏
مما يتوارى‏
خلف كسوف الرّوحِ،‏
فهل‏
نَتنافَذُ منهُ إلى خَلْقي...؟‏
كم تحتاجين تُويْجَ التّاج المتعالي‏
ولهذا الزّهر الذّهبي ....‏
كم تحتاجينَ،‏
لتلك الملكوت المحروثة بعدي...‏
سأُساوي...‏
بين الموت وبينكِ،‏
ثم تضاهين‏
هيولى الغيب الأعظم‏
دوري...‏
كمجرات القلب إذاً‏
في شَغَبِ الدم... وَكَوْني‏
.... ..... ..... .....‏
سيّدتي أنتِ،‏
ولا سيّد إلايَ،‏
أُحبّكِ‏
هل نجتاز بلاد الظلّ،‏
وما يغمرها‏
قمري.....‏
وصهيلُ ترابكِ يشتبكانْ.....‏
قمري..........‏
سيحكُّ الشّمسَ بخاتمهِ‏
ويزفّكِ لي...‏
هوذا ما قبل الّليلك يشهدُ‏
ما قبل الأحمر يشهدُ،‏
إنّي اخترتُكِ‏
من لهبٍ‏
لاوصْفَ لسدرتهِ‏
وعقدتُ عليَّ العزمَ،‏
عليكِ عقدتُ الطّوفان الآخرَ،‏
فانهمري .....‏
سيكون من الديجورِ،‏
لنا ولدٌ...‏
ويكون لنا ....‏
ما ينبتُ في دَوَران النّور.‏

القبلة الأخيرة

سلاماً أيُّها الوجهُ الـمُرَتّلُ‏
في صباحِ الجنةِ انفرطتْ‏
ملائكُ كاللآلئ في يديكَ‏
وأنتَ تبكي‏
قطرتانِ‏
يمامتانِ‏
وأرجوانٌ شفَّ تحت العينِ‏
عن وجع الهديلِ‏
حدائقُ الأعماقِ فاضتْ‏
كالكمانِ يئنّ بالسحبِ المطيرةِ‏
تطلقينَ الدمعَ‏
أوتاري يُقَطِّعها انتظاركِ‏
واقترابي من مجاري الشمسِ‏
بين تفتّح الشفتينِ‏
عن شفق " الأحبّكَ"‏
كم أحبّكِ‏
لستُ أختلقُ الكلامَ‏
لأستظلّ بغابةِ الأشعارِ‏
وهي تمدّ أشجارَ النداءاتِ الطويلةِ‏
لستُ أرثي الذاتَ‏
كي يجتاحني عَصْفُ العقابِ‏
فأستريحَ من الندامةِ‏
كم أحبّكِ..........!‏
ليس من مقلِ الفراغِ المطفآتِ على جبيني‏
ليس من قلقِ الوجودِ‏
وليس من فورانِ موسيقا الطفولةِ في عروقي‏
كم أحبّكِ...!‏
ليس لي سببٌ‏
لأنزلَ في ممالكَ من جحيمٍ‏
ليس لي سببٌ ولكنّي‏
أصلّي كي أحبّكِ‏
أكثرَ اللحظاتِ‏
والغاباتِ‏
والحرّاسِ‏
أيتها الطريدةُ كالسعادةِ‏
أرجعي لي حزنيَ المنسوكَ‏
قبلتنا الأخيرةُ‏
تتركُ الشفتينِ للغرقِ المواتي‏
أستحيلُ الى جدارٍ‏
كي ألمِّ الموجَ عنكِ‏
وأسجنَ الدمعاتِ في ليلِ العيونِ‏
لتبصريني‏
ناصعاً كالفجرِ‏
كالأملِ البعيدِ‏
وفي صباحِ الموعدِ المسروقِ‏
حين البابُ يغلقه " طريقُ النَّحلِ"‏
بعد تفتّحِ الأنفاسِ فوق الركبتينِ‏
تضيء مبخرةٌ‏
بعطر الآسِ‏
صوتَ الروحِ‏
والناسِ‏
وتمثالاً لأفروديتَ مصلوباً على البابِ‏

شعر / عماد خليل ( الراوي )

emad_khalil_r@hotmail.com